محمد علي الحسن
218
المنار في علوم القرآن
وذهب آخرون إلى أن معنى التفسير يخالف معنى التأويل في وجه من الوجوه . قال النيسابوري : قد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه ، فهؤلاء يرون أن التفسير يتعلق بما حول النصّ ، وما يتبادر إلى الذهن لأول نظرة ، أما التأويل فإنه الوصول إلى أعماق النصّ ، وهو صرف اللفظ إلى ما يمكن أن يتحمله من معنى ، وهناك تعريفات في التفسير والتأويل والفرق بينهما ، وقد أطال في ذكرها الأستاذ الذهبي - رحمه اللّه - وخلص من جميع التعريفات إلى الترجيح فقال : والذي تميل إليه النفس من هذه الأقوال هو أن التفسير « ما كان راجعا إلى الرواية » ، والتأويل : « ما كان راجعا إلى الدراية » ، وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان . والكشف عن مراد اللّه تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي ، وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع ، وخالطوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم . وأما التأويل : فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل . والترجيح يعتمد على الاجتهاد ، ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ ومدلولاتها في لغة العرب ، واستعمالها بحسب السياق ومعرفة الأساليب العربية ، واستنباط المعاني ، وغير ذلك . قال الزركشي : ( وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل ، التمييز بين المنقول والمستنبط ؛ ليحيل على الاعتماد في المنقول ، وعلى النظر في المستنبط ) « 1 » . هذا هو ترجيح أستاذنا الذهبي ، وهو ترجيح لم يحالفه الصواب كما يقول الأستاذ الدكتور إبراهيم خليفة : ( ما قاله الشيخ - رحمه اللّه - سواء في التفسير وفي التأويل جميعا غير متجه عندنا ، أما التفسير فحتى لو سلمنا له قضية اشتراط الجزم في الكشف عن مراد اللّه تعالى ، فإن ذلك لا يتوقف على كونه من طريق الرواية ، بل يمكن أن يتحقق الجزم كذلك من قطع العقل بتعين المعنى ، واستحالة إرادة غيره من الكلمة أو الجملة القرآنية ، كما في قوله تعالى مثلا : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] .
--> ( 1 ) انظر التفسير والمفسرون للذهبي 1 / 22 ، وانظر نقله عن الزركشي في البرهان 2 / 172 .